الشيخ محمد الصادقي الطهراني
10
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
النبي صلى الله عليه وآله : « إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فإن الموت في أعناقكم وإذا كان بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرق القلوب » « 1 » . وأما إذا كان التنديد بواقع الخروج حين قُدر الموت بسببه وهم لا يعلمون ، وإنما يخرجون خوفة الابتلاء به ، فهو - إذاً - بيان أن أجل اللَّه لا يؤخر بالفرار ولا يعجل بالقرار . ثم الرؤية هنا هي رؤية العلم البصيرة ، لا رؤية البصر ، حيث القصة سابقة بآلاف من السنين ، فإنما هي رؤية بالوحي الصارم ، التي هي أثبت من رؤية البصر ، فالصبر قد يخطأ ولا يخطأ الوحي ، وقد تلمح « إلى » هنا إلى سابق الوقعة دون حاضره وإن بصورته ، حيث الرؤية متعدية بنفسها للناظر بالبصر ك « رأيتهم » ولكن « رأيت إلى » لامحة إلى مرئي بعيد عن البصر قريب إلى البصيرة . وقد تعني « ألم تر » - بجنب الرسول صلى الله عليه وآله وعلى هامش رسالته - كل من يصح خطابه ، وليكونوا نابهين به وأن اللَّه يبعث مَن في القبور ، وقد يبعث قبل الأخر جماعة في الأولى كيوم الرجعة . فواقع الإحياء هنا دليل واقعه فيهما وبأحرى ، حيث السبب فيهما أقوى ، ولا سيما في الأخرى ، ثم « وهم ألوف » وهي جمع كثرة تلمح أنهم كانوا فوق عشرة آلاف ، وقد تكون هي جمع إلف كما هي جمع ألف ، فقد كان كلٌّ إلفاً لحياته ، ماسكاً لها بكل حوله وقوته ، قم كلٌّ إلفٌ بصاحبه ، فقد اجتمعت فيهم قُدُرات ثلاث هي من أهم أسباب الفرار من الموت : الكثرة ، والألفة بمعنييها ، ولكن ليقضي اللَّه أمراً كان مفعولًا ، وليعلموا أن وعد اللَّه حق ، وأنه
--> ( 1 ) ) . الدر المنثور 1 : 312 - أخرج سيف في الفتوح عن شرحبيل بن حسنة قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : . . . وفيه اخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول في الطاعون : « إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه » . وفيه عن عائشة قالت قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون ، قلت يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : هذا الطعن قد عرفنا فما الطاعون ؟ قال : غدة كغدة البعير ، المقيم بها كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف . وفيه عن جابر بن عبداللَّه قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف . أقول : « إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه » في الحديث الاوّل دليل واجب التحرز عن الموت وواجب الفرار عنه ما أمكن ، فالتنديد بفرار من فر ليس إلا فيما لا ينفع الفراد إذا أمكن سبب الموت في الانسان فماذا يفيده الفرار عن بلده إلى سواه